شذرات تراثية بنكهة توابل المطبخ السوري

حنين خليل *كاتبة سورية

 

عندما لم يتبقَ للسوريين ما يكفيهم من المال حتى يحملوا في حقائبهم المسافرة كل ذكرياتهم وبيوتهم وأصدقائهم لملموا حزنهم
وحولوا كُل هذه الدموع المشبعة بالعواطف إلى توابل وأطباق مميزة لرسم هوية تم انتشالها من قلوبهم بالقوة فأعادوا إلصاقها
ضمن جدران المعدة، قد يظن البعض أنَّ هذه مقدمة نص متخمة بالمشاعر تتحدث عن الذين غادروا البلاد منذ خريف 2011
لكنها حقيقة شعب عاش آلاف السنين في هذه البقعة الجغرافية.

حيث قالت لي إحدى الجدّات المعمرات في القرية وهي تشعل لفافة التبغ المكونة من الدخان العربي (مَحلّي الصنع) كلامًا بما
معناه: «إن كنتَ تريد إرثاً صادقاً يتمتع بمزيج من الأصالة ويتفرع عنه جزء يحوي التجديد فعليك أن تتعمق بالمأكولات
وتاريخها….» وأعادت لي هذه المقولة صديقتي ايميلي الفرنسية القادمة من قرية Vaison la Romaine عندما أخبرتني
عن سعادتها في اكتشاف النكهات في الأطباق السورية ودور عملية الطهي في بناء العلاقات الاجتماعية والحكايات: «سأكون
صريحة لقد فوجئت حقًا بأول اتصال لي مع الشعب السوري، وللصدق كان لدي تحيز في البداية، فكيف لشعب يشمئز من
طبق الحلزون الذي يعتبر من الأطباق النخبوية الفرنسية أن يتناول بِنَهم وجبة مكونة من جدران المعدة لإحدى الثدييات
محشية بالأرز والمكسرات!!!

لقد ساعدنا الاهتمام بالطهي على سد العديد من الاختلافات بيننا. وبالفعل، يمكن اعتبار هذه المشاركة الاجتماعية مشاركة
ثقافية بامتياز، تبادلنا من خلالها قصصنا الشخصية وبعض الحكايا والأساطير ومشاعرنا تجاه بلادنا بالعموم ومناطقنا على
وجه الخصوص، ومما زاد دهشتي الانفتاح والطبيعة المتنوعة للناس ومستوى الأشياء المشتركة بيننا وفي الوقت ذاته التحيز
المناطقي لكل طبق وكأنها هوية أو معبد. عندما تخطّت رحلتنا حدود مدينة دمشق واتجهنا نحو باقي المناطق، اكتشفت ايميلي
الهوية المناطقية لكل جزء من خلال بضع لقم والكثير من الابتسامات وحكايا الجدات التي أكاد أجزم أنها لم تفهم كلمة منها
ولكن شعور المقدرة على العطاء عند الناس كان يُضفي على المكان الكثير من البهجة….. ومن المواقف المضحكة التي كانت
تحدث بشكل مستمر معنا في الرحلة (لأني لستُ ممن يجيدون خلق الأحاديث وتكوين العلاقات الاجتماعية) تكراري لسؤال
باللغة العامية: «رح تعملوا مكدوس هالسنة؟» حيث يعتبر المكدوس الهوية الوطنية المشتركة لكل المحافظات ومن العناصر
الرئيسة في وجبتي الإفطار والعشاء للعائلات فيتشكل الحديث تلقائياً بعد هذا السؤال….

لسوء الحظ أظن أن الغالبية العظمى قد فقدت الأمل بصنع المكدوس هذه السنة وبأنهم سيستبدلون هوية وطنية جديدة به (نتيجة
عملية إقصاء وليست اصطفاء )وقد تكون مشوهة في البداية أو مشوهة للأبد…حيث كلمة للأبد قد جعلت أحلام السوريين
تصبح كابوساً في السنوات الأخيرة….والمحزن أكثر أني لم أنتبه إلى أن شعور اللا-انتماء عندي كان يظهر في تلك التفاصيل
حتى، فلا أتناول المكدوس ولا أشرب الشاي ولا أدخن فتكاد ملامحي التي تثبت هويتي تختفي ….من الجيد أَنَّ رغبتي في
تناول «الملقّسة» و«دبس وتلج» (أكلات تراثية من منطقة القدموس وجبل الشيخ) تشتعل أحياناً وإلّا لكنتُ بِتّ في سجلات الدولة بلا قيد.