اللوحة الكاملة : الكوّة / قصة قصيرة

 

وائل القادري *كاتب سوري

 

شرع شباك مرسمه للجنوب وراح يتأمل ذلك الصباح الماسي الهابط على الحقول . إنه صباح آذار النديّ ، حديث الله عن فردوسه : ريق الصباح على البنفسج .. شمس مضبّجة بالندى كنهدي مشع … ارتعاش الأبيض والوردي على غصن لوز ينتشي … عشب يعيد خلق التراب زمرداً !

ألوان يوزعها الإله على هذه الأرض أراد أن يقتبس منها ضربات جديدة لفرشاته .

النافذة الواطئة لا تسمح له بالعبور إلى المشهد كاملاً لذا ربط وشاحه القرمزي حول عنقه وقرر الخروج إلى الحقل . إنه يدرك ضرورة وجود تلك المساحة الخضراء الشاسعة في حياة شاعر أو رسّام . هناك حيث يتعامد النور مع تفاصيل المشهد وتتضح الرؤية ليترجم الجمال كما ينبغي . لكنه لم يكن شاعرًا لذا لم تكن حرفته ترجمة الجمال ، وإنما نقله من مسقط نظره إلى مسقط ريشته ومن مساحة الأرض إلى مساحة اللوحة .

يواصل طريقه قاطعاً البساتين والكروم ورائحة الزعتر البريّ والأقحوان تنفذ إلى أنفاسه كلما توغّل في عبوره نحو الحقل . تمنى لو بإمكانه نقل الرائحة إلى لوحاته ، الألوان وحدها لا تكفي لإنجاز لوحة ، فالحواس جميعها تتأهب في حضرة الجمال لتلقي القبض عليه .

فكر : ” عليه أن يتقن مهنة العطارة ، فربما احتاج أن يستخلص شذى هذه الزهور والنباتات العطرية المنثورة على أطراف طريقه ليخلطه مع الألوان ويخترع اللوحة الكاملة !

الأخضر الزيتي الغامق مع أريج الزعتر البريّ .. الأبيض الناصع والأصفر مع شذى الأقحوان … الأبيض الموشّى بالقليل من الصفرة مع عطر النرجس … وهكذا ”

تعجبه الفكرة ، أجمل الأفكار تراوده وهو يمشي !

” عبور الحقل مشوار مونولوجي جميل ” يقول في نفسه .

يصل إلى ناصية الحقل ، يلفح نسيم الربيع الصباحي وجهه فتنتعش حواس الرسام . يختار مقعداً حجرياً ويجلس متأملاً روعة المشهد الكامل بألوان الطبيعة البكر . يتساءل في نفسه :

ما الذي تقوله الشمس لحبّات الندى العالقة على شتلات القمح الفتية لتتوهج الحقول هكذا ؟ كيف بإمكانه اختزال ذلك اللون اللآلئ بين الذهبي المتوهج لأشعة الشمس والماسي المشع لقطرات الندى والزمردي اللامع لأوراق القمح الفتية ؟ واتحادها جميعاً تحت ريشته ؟!

كيف تتحرش الرياح الخفيفة بشجرة اللوز المجاورة فيرتعش الأبيض والوردي في أزهارها ؟ وكيف بإمكانه نقل هذه الرعشة اللونية إلى لوحاته؟

كل ذلك كان ضرورياً لاختراع اللوحة الكاملة !

تلتقط عيونه من حيث يجلس غارقاً في تأملاته مشهداً فظاً في ألوانه الحاسمة واستفزاز واقعيته الباردة : كوّة كبيرة أكلت نصف جدار بازَلتي ينبعث من داخلها ظلام أسود قاتم يبيّن بشاعة تزاوج الأزرق البازلتي مع الأسود في لوحة واحدة أو مشهد واحد . كان من الواضح أن هذه الكوّة قد انفجرت بفعل قذيفة أحرقت البيت من الداخل .

تتوغّل نظراته في بيوت القرية فيتكرر مشهد الكوّة المظلمة ذاتها على أغلب الجدران . تبدو له معالم القرية كأفواه فاغرة أمام فاجعة كبيرة ! وتختلط الألوان في مخيلته فتغدو نهراً معكّراً !

يعود إليه مشهد القرية قبل اندلاع الحرب ، فتصفو الرؤية في خياله : عرائش العنب تتسلق هذه الجدران … الأخضر الغض على البازلتي العتيق ، أجمل ثنائي لوني كان يشغل لوحاته … الأدراج الحجرية المنحوتة بدقة رومانية تزيّن حوافها أصص الزهور … انحناء الخزامى على حافة الأصيص … الجوري الأحمر محاذياً للجدران … امتداد الياسمين وهو يحرس ليل تموز على المداخل … الريحان في الأحواض الواطئة … كل هذه المشاهد تنبجس من ذاكرته لوحات عديدة .

كان عالقاً بين الحنين والحسرة وهو يحصي لوحاته المعلقة على جدران مرسمه الذي غدا يوماً بعد آخر وكوّة بعد أخرى ذاكرته الشخصية التي يحرص على الاحتفاظ بها ، قبل أن يخترق ذلك الأزيز الناري هواء الصباح بصوت سينمائي أشبه بصرخة وحشية لحيوان مفترس لحظة انقضاضه على فريسته !

صوت مباغت في هجومه يجرّد الزمان من المكان والمكان من تفاصيله . يُغمى على الوقت وهو منبطح على التراب في حركة لا إرادية اعتادها الجسد عند سماع مثل هذا الصوت . يلتصق الجسد الآدمي بجسد الأرض الصلصالي وكأن الحقيقة تعود إلى بدايتها في لحظة الخوف . يُخلق الجسد من جديد في تراب الحقل ، وينهض بعد استجماع قواه وتأكيده من زوال الخطر ، فيبدو المشهد أمام الرسام دخانياً مشوشاً ، يبحث بنظره عن مصدر الدخان ، يهرع راكضاً بين الأشجار بعدما تأكد أن القذيفة أصابت منزله ! يركض وذاكرته تزحف خلفه … عشرات اللوحات التي علقها على جدران مرسمه تحتضر في خياله ! ويركض حتى يصل إلى منزله ، يصعد الدرج الحجري المهشّم إلى مرسمه في الطابق العلوي ، ويقف مشدوهاً أمام الفاجعة ! كانت الكوّة هذه المرة قد ابتلعت نصف الجدار الشرقي للمرسم والدخان الأسود القاتم مختلطاً بألسنة اللهب يخرج من حوافها في مشهد بالغ الهدوء !

يشعر بألم حاد في ركبتيه وحرارة عالية تصفع وجهه بعد وقوفه على الدرج الحجري ما يقارب الساعة والنصف بيديه المسدلتين على جانبي جذعه وفمه الفاغر أمام الكوّة ! يتناول سيجارة ويشعلها بين شفاهه ويجلس على حافة الدرج ، يتأمل انسحاب النار والدخان من المرسم لينوب عنهما الرماد المغلف برائحة البارود !

يستجمع قواه ويصعد مرّة أخرى الدرج الحجري

كانت أصابع الزهور المهشّمة تطقطق تحت وقع قدميه وهو ينتقل من درجة إلى أخرى ، إلى أن وصل إلى الكوّة !

لم يتخيّل يوماً أن يدخل مرسمه من جدار مهشّم … لم يتخيّل يوماً أن تفتح له قذيفة ممراً نحو مرسمه ليدخله ويشهد جدراناً عارية السواد إلا من مسامير معدنية كانت تحمل لوحاته قبل انصهارها !

اقترب من حافة الكوّة الآخذة شكل مستطيل بإطار بازلتي وفتح ذراعيه في محاولة لقياس طولها وعرضها ، لتلامس أصابعه حافتيها . كان يبدو وكأنه معلّق في صليب غير مرئي ! صليب نُصب داخل تلك الكوّة المستطيلة بطوله تماماً وبعرض ذراعيه المفرودتين من الجهتين !!

كانت رائحة البارود المحروق تنبعث داخل المرسم وتتغلغل في ثيابه وجسده !

تخيّل تلك الكوّة لوحة … وهو داخلها ! وتذكّر رائحة البارود تنفذ إلى أنفاسه فكرة اللوحة الكاملة التي اخترعها في مشوار الحقل !

إنّه الآن داخل اللوحة الكاملة ، مصلوباً في سوادها !

كان عليه أن يضيف رائحة البارود المحروق إلى جميع ألوانه !