شارك مركز القلم السوري (PEN Syria) في أعمال المؤتمر العام الثاني والتسعين لمنظمة القلم الدولية (PEN International)، الذي عُقد عبر الإنترنت يومي 29 و30 سبتمبر/أيلول 2026، بمشاركة ممثلين عن مراكز القلم من مختلف أنحاء العالم.
تناول المؤتمر أوضاع الكتّاب والصحفيين المعرّضين للخطر، ومستقبل شبكة القلم الدولية، إلى جانب قضايا الحوكمة والاستدامة المالية وحقوق المؤلفين في عصر الذكاء الاصطناعي. كما شهد مناقشة طلبات انضمام مراكز جديدة، وإجراء انتخابات لعدد من المناصب واللجان الدولية.
الكرسي الفارغ… تذكير بالكتّاب المغيّبين
شكّلت فقرة «الكرسي الفارغ» (Empty Chair) إحدى أبرز محطات المؤتمر. وتعبّر هذه الفقرة عن حضور الكتّاب والصحفيين المحتجزين أو المغيّبين أو الممنوعين من التعبير في قلب عمل القلم الدولية.
وسلّط المؤتمر الضوء على قضية الكتّاب والصحفيين الإريتريين المعتقلين منذ عام 2001، عقب إغلاق السلطات الصحافة المستقلة واعتقال عدد من الصحفيين والمحررين والكتّاب. ولا يزال مصير بعض هؤلاء ومكان احتجازهم مجهولين حتى اليوم.
وتؤكد متابعة هذه القضية أن مفهوم «الكتّاب المعرّضين للخطر» لا يقتصر على الاعتقالات الحديثة؛ إذ تبقى القضايا القديمة جزءاً من ذاكرة القلم الدولية وعملها، مهما طال الزمن من دون الوصول إلى حل أو معرفة مصير الضحايا.
صورة أرشيفية من مؤتمر 2025 © PEN International
التضامن لا ينتهي بالإفراج
أوضحت المديرة التنفيذية للقلم الدولية، رومانا كاتشيولي، أن عمل المنظمة لا يقتصر على إصدار البيانات، بل يشمل المتابعة المستمرة لقضايا الكتّاب والصحفيين، والتعاون مع عائلاتهم ومحاميهم والمؤسسات الحقوقية والحكومات والشركاء الدوليين.
وتناول تقريرها حالات شهدت تبرئة كتّاب من التهم الموجهة إليهم أو الإفراج عنهم وتحسّن ظروف احتجازهم، مع التأكيد أن مثل هذه النتائج هي ثمرة جهود جماعية تشارك فيها العائلات والمحامون والصحفيون والمنظمات المدنية والمؤسسات الدولية.
وشدّد المؤتمر على أن الإفراج عن الكاتب أو مغادرته بلده لا يعنيان بالضرورة انتهاء الخطر. فكثير من الكتّاب يضطرون إلى العيش في المنفى، وقد تستمر ملاحقتهم عبر ما يُعرف بـ**«القمع العابر للحدود»**، من خلال المراقبة والترهيب والتهديد والضغط على أفراد أسرهم ومحاولة إسكاتهم في بلدان اللجوء.
ومن هذا المنطلق، يصبح دعم الكاتب بعد خروجه من السجن أو وصوله إلى المنفى امتداداً ضرورياً لعمل الحماية والتضامن، ولا يقل أهمية عن حملات المطالبة بالإفراج عنه.
وفي هذا السياق، أعلنت القلم الدولية شراكة مع مؤسسة يان ميخالسكي لتوفير تسع إقامات سنوية للكتّاب المعرّضين للخطر، ابتداءً من خريف 2026.
الثقافة في مواجهة الحروب والأزمات
ربطت مناقشات المؤتمر بين أوضاع الكتّاب والأزمات السياسية والإنسانية في عدد من البلدان، ومن بينها أوكرانيا وفلسطين والسودان.
وأكد المشاركون أن الثقافة ليست مسألة ثانوية في زمن الحرب؛ فالكتّاب والصحفيون والفنانون يؤدون دوراً أساسياً في حفظ ذاكرة المجتمعات وتوثيق تاريخها ومساعدتها على تخيّل المستقبل، ولا سيما في ظروف النزوح والعنف وعدم الاستقرار.
الذكاء الاصطناعي وحقوق الكتّاب
حضر الذكاء الاصطناعي بوصفه واحداً من أبرز التحديات الجديدة أمام الكتّاب والمبدعين. وناقش المؤتمر ضرورة الحصول على موافقة أصحاب الأعمال قبل استخدامها، وحماية حقوق النشر ونسبة العمل إلى صاحبه، وضمان حق المؤلفين في الأجر والتعويض.
كما تناول استخدام النصوص والأعمال الأدبية والإبداعية في تدريب أنظمة الذكاء الاصطناعي، بما يوضح اتساع مفهوم الدفاع عن حرية التعبير ليشمل حماية الحقوق الأدبية والمادية للمبدعين في البيئة الرقمية.
انضمام القلم السوداني إلى الشبكة الدولية
عُرضت خلال المؤتمر مبادرات أربعة مراكز مرشحة للانضمام إلى شبكة القلم الدولية، هي: القلم السوداني، والقلم الروماني، وقلم أستورياس، والقلم الإيطالي في روما.
وحظي طلب القلم السوداني (PEN Sudan) بتأييد الجمعية العامة، في خطوة مهمة للكتّاب السودانيين الذين يعملون في ظل الحرب والنزوح وانهيار أجزاء واسعة من البنية الثقافية في بلادهم.
ويركز المركز الجديد على الدفاع عن حرية التعبير، وحماية الكتّاب السودانيين، وتوثيق الانتهاكات، وإيصال أصواتهم إلى العالم، والحفاظ على الذاكرة الأدبية والثقافية للسودان.
ويتقدم مركز القلم السوري بالتهنئة إلى الزميلات والزملاء في القلم السوداني، متمنياً لهم مساراً ناجحاً وفاعلاً داخل عائلة القلم الدولية. ويكتسب انضمامهم أهمية خاصة في وقت يحتاج فيه الكتّاب السودانيون إلى شبكات تضامن دولية تحمي أصواتهم وتساند استمرار عملهم.
الحوكمة والاستدامة المالية
ناقش المؤتمر العلاقة بين التضامن والحوكمة والقدرة على تأمين الموارد المالية. فالمنظمة تحتاج، من أجل دعم الكتّاب والمراكز والحملات، إلى موارد مستقرة وإجراءات واضحة وشفافة تضمن ثقة المانحين واستمرار العمل.
وكشف تقرير صندوق الطوارئ أن الصندوق دعم 82 كاتباً عام 2024 و85 كاتباً عام 2025، إضافة إلى 25 كاتباً خلال عام 2026 حتى موعد انعقاد المؤتمر. وبسبب محدودية الموارد، خُفّض الحد الأقصى للمساعدة من ألفي يورو إلى 1500 يورو.
وتُظهر هذه الأرقام حجم الحاجة إلى التضامن، لكنها تكشف أيضاً أن موارد هذا التضامن محدودة، وأن زيادة التمويل المرن أصبحت مرتبطة مباشرة بقدرة المنظمة على الاستجابة للحالات الطارئة.
دروس مهمة للقلم السوري
أظهرت أعمال المؤتمر أن قوة أي مركز داخل شبكة القلم الدولية لا تعتمد على عدد أعضائه فحسب، بل على قدرته على تنفيذ الأنشطة والمشروعات، وبناء الشراكات، وإنتاج المعرفة، والتواصل المؤسسي المنتظم مع المنظمة الدولية.
كما أكد المؤتمر أهمية وجود أنظمة إدارية واضحة، وهيئات فاعلة، ومشاركة مستمرة في حملات القلم الدولية ولجانها. فعضوية الشبكة ليست صفة رمزية، بل مسؤولية تتطلب عملاً ثقافياً وحقوقياً وتنظيمياً متواصلاً.
وبالنسبة إلى القلم السوري، تكتسب قضايا المنفى والقمع العابر للحدود وحماية الكتّاب بعد مغادرتهم بلدهم أهمية خاصة. كما تفتح شبكة القلم الدولية مجالات عملية للتعاون في الترجمة والإقامات الأدبية وحملات التضامن والدفاع عن حرية التعبير.
ويؤكد المؤتمر العام الثاني والتسعون أن مستقبل القلم الدولية يقوم على شبكة من المراكز الحية والفاعلة، وعلى تضامن يتجاوز الحدود، ويحمي الكاتب في السجن والمنفى وفي الفضاء الرقمي على حد سواء.
أُعدّ المقال بالاستناد إلى تقرير علياء أمينة أحمد، رئيسة لجنة الكاتبات في مركز القلم السوري.







