علياء أمينة أحمد: حين تتحول الكتابة إلى مقاومة ومساحة للحرية
هيفاء عطفة – Amal News
“لا يملك المرء إلا أن يشهد للحق، حتى وهو يعلم أن طواحين الظلم قد تسحقه”، هذه الكلمات التي قالها الكاتب ألبير كامو والتي قد يراها البعض مغرقةً في المثالية، ليست ترفاً ثقافياً، بل شكل من أشكال البقاء. فرغم أن الكلام دائماً يكون فعلاً محفوفاً بالخسارات، إلا أنه، وفي كل زمان، هناك أصوات تحاول صنع مساحة للقول لا كخطاب نظري فحسب، وإنما لينعكس في تفاصيل حياتنا. ومن هذه الأصوات، تبرز علياء، الباحثة الاجتماعية والمدرّبة في مجال حقوق الإنسان، والكاتبة التي تعتبر الكتابة أكثر من ممارسة ثقافية، فتراها مساحة للأسئلة والمواجهة، ومحاولة دائمة لفهم العالم والذات.
علياء خريجة علم الاجتماع، عملت باحثة اجتماعية ومدرّبة في الآليات الدولية لحماية حقوق الإنسان، مع التركيز على حقوق الأطفال والنساء. لكن مسارها المهني لم يكن منفصلاً عن علاقتها المعقدة مع الهوية والكتابة والاسم نفسه.
تستعيد بداياتها مع الكتابة تحت اسم (علياء أحمد)، “جزء من الموضوع كان التمرد على فكرة ملكية العائلة الأبوية للاسم والهوية، فلم استخدم اسم العائلة، لكن علاقتي الإنسانية الجميلة مع أبي جعلتني أختار اسمه محبةً لا عن خضوع”. ومع توسع قراءاتها النسوية وتطور وعيها النقدي، شعرت أن هذه القناعة لا ينبغي أن تبقى فكرة نظرية، ويجب أن تنعكس على التفاصيل الشخصية.
“شعرت أن ما أؤمن به لا يكتمل إذا بقي خطاباً فقط. فاخترت حمل اسم أمي أيضاً، وصرت أحب أن أُعرَّف باسميْهما معاً: علياء أمينة أحمد. بالنسبة لي، الاسم ليس مجرد تعريف إداري، بل اعتراف بأن هويتي تشكّلت من الاثنين معاً”. “ما نتعلمه ونناضل من أجله يجب أن يظهر في تفاصيل حياتنا اليومية، لا أن يبقى مجرد خطاب نظري”.
من (القلم السوري في المنفى) إلى مركز PEN Syria
منذ نحو ثلاث سنوات، انضمت علياء إلى المجموعة المؤسسة لمركز PEN Syria، وكان ما يزال اسمه (القلم السوري في المنفى). آنذاك، اقتصرت المبادرة على المنفى لأنّ التواصل مع الكاتبات والكتّاب داخل سوريا ودعوتهم للمشاركة كان محفوفاً بالمخاطر. ثم سقط نظام الأسد وتوسعت المبادرة تدريجياً لتصبح مساحة مفتوحة للدفاع عن حرية التعبير والتعددية وحق الناس في رواية قصصهم بأصواتهم، داخل سوريا وخارجها.
لجنة الكاتبات: مساحة في وجه الصمت
كحال مراكز PEN، تضم لجاناً متخصصة، منها لجنة الكاتبات في القلم السوري التي ترأسها علياء. اللجنة تعمل على خلق مساحة تصفها بـ “الآمنة والمستقلة” للكاتبات والصحفيات السوريات. ولا يقتصر عملها على البعد الإبداعي، بل يمتد إلى تمكين الكاتبات من المشاركة الفاعلة في المشهد الثقافي والإعلامي، إلى جانب مناهضة التمييز والعنف الجندري. وتولي اللجنة أهمية خاصة للدعم النفسي والاجتماعي والمهني. “الصمت صار الخطر الحقيقي. أحياناً أشعر أن صمت النساء اليوم لا يقل خطورة عن أشياء كثيرة عشناها، فالصمت، على المدى البعيد، يهدد الذاكرة والقدرة على المقاومة نفسها”.
وترى علياء أن التشظي السوري تجاوز السياسة، وتسلل إلى تفاصيل الحياة اليومية. “التشظي دخل البيوت والعائلات. صار في كل عائلة آراء وانقسامات وصراعات. التنوع بحد ذاته شيء جميل، المشكلة ليست الاختلاف، المشكلة أننا لم نعد نقبل وجود المختلف”. لهذا، تحاول اللجنة خلق مساحة تتجاوز الانقسامات المعتادة. “نحن لا نؤسس منصة تتكلم باسم فئة واحدة. لدينا تنوع كبير جداً، فالفكرة أن تكون هذه المساحة لكل هذه الأصوات معاً”.
بناء شبكات تضامن
تتحدث علياء عن أنشطة تعمل عليها اللجنة، بين النشر والتدريب وبناء الشبكات الثقافية العابرة للحدود والثقافات. منها تطوير منصات للنشر والتبادل الثقافي، وتنظيم قراءات وندوات فكرية وأدبية، وبناء شبكات دعم مع مراكز PEN حول العالم، إضافة إلى ورشات الكتابة والصحافة والإعلام الرقمي.
كما تتضمن الخطط برامج للدعم النفسي والتمكين الشخصي للكاتبات المتأثرات بالحرب والنزوح، إلى جانب مبادرات للنشر البديل والتوثيق السمعي والبصري، بما يتيح إيصال أصوات الكاتبات إلى جمهور أوسع في ظل القيود المختلفة. “الكتابة والحوار ورفع الصوت هي المقاومة الوحيدة التي نملكها أحياناً. لا نملك كثيراً من الأدوات، لكن يمكننا أن نكتب ونتكلم وألا نصمت”.
بناء شبكة حماية وتضامن حقيقية
في حديثها عن واقع الكاتبات، تؤكد علياء أن الدعم لا يكون بنشاط ثقافي تقليدي، وإنما عبر شبكة حماية وتضامن حقيقية. فالتحدّي الأبرز في الداخل هو مواجهة الإقصاء والتهميش الثقافي، بينما في المنفى تتجلى أشكال أخرى من العزلة والانقطاع وفقدان الشبكات المهنية، “الدعم بالنسبة لنا ليس نشاطاً ثقافياً فقط، بل بناء شبكة حماية وتضامن حقيقية” ومن هنا، يصبح بناء فضاءات للتواصل والتبادل، والتشبيك مع مؤسسات دولية، جزءاً من محاولة إعادة إدراج الصوت السوري النسائي في النقاشات العالمية حول حرية التعبير والعدالة.
لقاء الكاتبات يحمل بعداً روحياً
لكن أكثر ما تتحدث عنه علياء بحماسة هو وصول أصوات النساء داخل سوريا. “مشاركة كاتبات من الداخل السوري كان من أهم الأشياء. لأننا كمنفيات ومهاجرات ابتعدنا عن تفاصيل كثيرة، ووجودهن أعاد ربطنا بتجارب يومية فقدنا جزءاً منها”.
وتعترف بأنها لم تكن قريبة من الشعر، قبل أن تجد نفسها محاطة بشاعرات وقراءات شعرية. “صرت أحس أن الشعر مراهم لجروح الروح”. وتصف كيف أصبحت اجتماعات لجنة الكاتبات تنتهي غالباً بقراءات شعرية. “كنا نقول: لا نريد أن تكون الاجتماعات فقط خططاً وتقارير. لنسمع شعراً. دعونا نتذكر لماذا نحن هنا أصلاً”.
بين الاستقلالية وضغط التمويل
تدرك علياء أن العمل الثقافي والحقوقي يواجه تحديات مالية معقدة، وترى فيها مسألة حساسة لا بد من التعامل معها بحذر. “يمكننا العمل بإمكانات بسيطة، ولا نقبل أن يصبح التمويل أداة توجيه أو تقييد للسرد”.
ورغم كثافة الأنشطة، تؤكّد علياء أن معظم ما تحقق حتى الآن قام على جهود ذاتية. “أردنا القول إننا نستطيع العمل حتى بإمكانات بسيطة. نعم، التمويل مهم، لكن الاستقلالية تجعل الصوت أكثر حرية. هناك وهم كبير يقول إننا لا نستطيع إنجاز شيء بلا تمويل. هذا ليس صحيحاً. يمكن تحقيق كثير من الأشياء بالتطوع والجهد الجماعي والإيمان بالفكرة”.
الخوف الجديد من الرقابة الذاتية
ترى علياء أن واقع حرية التعبير اليوم في سوريا والمنطقة لا يتراجع فقط بفعل السلطة السياسية، بل أيضاً نتيجة الاستقطاب والانقسام داخل الفضاء العام، حيث تتوسع أشكال جديدة من الرقابة المجتمعية. وأكثر ما تخشاه اليوم هو الرقابة الذاتية. “أخاف اليوم من اللحظة التي يبدأ فيها الناس بالصمت خوفاً من الهجوم أو العزل أو خسارة المساحات التي بنوها. حين يبدأ الناس بمراقبة أنفسهم، هذا يعني أن منطق الهيمنة انتصر. فالقمع أحياناً لا يأتي من السلطة فقط، بل من المجتمع أيضاً، من التخوين، من الهجوم، من الضغط، ومحاولات إسكات المختلف”.
كسر احتكار السردية في كتابة التاريخ
في رؤيتها الأوسع، تؤمن علياء أن الصراع لم يعد فقط على الأرض، بل على السردية نفسها، وتقول: “أصبح التاريخ ساحة لصراع الروايات وتعدّد الأصوات، ولم يعد حكراً على المنتصر”.
ومن هنا، تبرز أهمية الشراكات مع المراكز الثقافية الدولية في كسر احتكار الرواية الواحدة، وإدخال الصوت السوري إلى فضاءات أوسع. “اليوم الضحايا يكتبون أيضاً، والناس توثق وتسجل وتحكي. لهذا تصبح الكتابة مهمة جداً. فالمسألة ليست فقط أن يسمعنا الآخرون، لا بد من كسر احتكار السردية الواحدة”.
نحو فضاء أكثر عدالة للكتابة
كما تأمل أن يسهم PEN Syria في ترسيخ مساحة مستقلة للدفاع عن حرية التعبير، وحين تتحدث عن المستقبل، لا تشير إلى أرقام ومشاريع بقدر ما تتحدث عن معنى بسيط ومباشر. “أريد أن يعرف كل كاتب وكاتبة تعرض/ت للتهميش أو الإسكات أو الإقصاء أنه/ا ليس/ت وحده/ا. أحياناً مجرد أن تقول لشخص: أنا معك… هذا يغيّر أشياء كثيرة”. “هذا ما نحاول قوله دائماً: نحن هنا”.
المصدر: Amal News
الصورة: (Foto: Ghassan Qatlabi) الكاتبة علياء أمينة أحمد رئيسة لجنة الكاتبات في PEN Syria






