حكام سوريا الجدد يحولون الأمل إلى فوضى
يحيى الأوس – مركز القلم السوري PEN Syria
نشرة لجنة كتّاب من أجل السلم في منظمة القلم الدولية – Writers for Peace Committee – العدد 14
تشهد سوريا اضطراباتٍ حادة منذ سقوط نظام الديكتاتور بشار الأسد أواخر العام قبل الماضي واستيلاء هيئة تحرير الشام على السلطة في دمشق. فبعد أشهر قليلة فقط على استقبال الأبطال الذي حظيت به الهيئة وزعيمها الذي كان حتى وقت قريب شخصيةً بارزةً في تنظيم القاعدة، انقلبت الصورة رأسا على عقب، وبدا جلياً أن أبو محمد الجولاني، المعروف الآن باسمه الحقيقي أحمد الشرع لم يكن ليستولي على السلطة دون غطاء ومباركة دولية ودعم تركي لا محدود، وأن هذا الدعم الشعبي الذي تحصل عليه ليس فقط لأنه تمكن من القضاء على الديكتاتور، بل لأنه تمكن من القضاء على الديكتاتور “العلوي” الذي ينتمي إلى طائفة طالما كانت متحالفةً مع الشيعة وعلى خلافٍ طويل الأمد مع الأغلبية السنية، وهو ما مكن الزعيم الجديد من الاستواء على العرش وسماع هتافات المؤيدين تحت شرفة القصر.
ورغم الشائعات والأسئلة التي لا تزال تحيط بصعوده وبالسهولة اللافتة التي تم بها استيلاؤه العسكري على السلطة، فإن الشرع لم يتخلَّ عن المقاتلين المتشددين الذين قاتلوا إلى جانبه. بل كافأ رفاقه القدامى من الجهاديين بمناصب عسكرية وسياسية مؤثرة، ووعد الجهاديين الأجانب بمنحهم الجنسية السورية تقديراً لسنوات قتالهم إلى جانبه، علما أن معظم هؤلاء المقاتلين هم من المتطرفين الذين يؤمنون بإحياء الخلافة الإسلامية، وينحدرون من دول ترفض إعادتهم إليها.
لقد اتسمت الأشهر الأولى بعد سقوط الأسد بموجة واسعة من التفاؤل وآمال السلام في بلد أنهكته خمسة عشر عاماً من الحرب. غير أن السلطات الجديدة سرعان ما أطلقت حملات انتقامية ضد الأقلية العلوية، عقب هجمات محدودة نفذها أتباع النظام السابق ضد قواتها. وأسفرت هذه الهجمات الانتقامية العنيفة عن مقتل أكثر من 1400 مدني. ورغم أن السلطات الانتقالية شكّلت لجنة حكومية للتحقيق في تلك المجازر، فإن التقرير النهائي جاء مراوغاً وتجنب توجيه الاتهام إلى المسؤولين الرئيسيين عن الجرائم.
لقد غذّت هذه الانتهاكات مخاوف عميقة لدى الأقليات الدينية والعرقية في سوريا من احتمال وقوع موجات انتقام جديدة — وهو ما تجسد بالفعل في تموز 2025، عندما أسفر عنف طائفي مدعوم من الحكومة وجماعات جهادية متحالفة معها عن مجازر مروعة ضد المدنيين الدروز في السويداء، قُتل فيها نحو ألفي شخص من السكان العزّل وهجر سكان نحو 180 الف مدني من قراهم بعد ان تم حرقها ونهبها بالكامل. وقد تدخلت إسرائيل عسكرياً لوقف المذبحة، ما زاد المشهد السياسي تعقيداً وتقلباً.
ولا يقتصر تزايد انعدام الثقة بين الأقليات والحكام الجدد على الهجمات الانتقامية فحسب، بل يمتد أيضاً إلى الذهنية السلطوية المتنامية لدى الإدارة الجديدة. ففي مارس/آذار 2025 أصدر الشرع إعلاناً دستورياً منح نفسه بموجبه صلاحيات واسعة لتعيين المسؤولين في السلطتين القضائية والتشريعية دون أي رقابة. كما منح نفسه سلطة تعيين ثلث أعضاء البرلمان، الأمر الذي يضمن عملياً سيطرته الكاملة على السلطة التشريعية. وقد أثار ذلك مخاوف عميقة بشأن تآكل سيادة القانون وتراجع حماية حقوق الإنسان. ومع ذلك دافع الرئيس عن هذه الصلاحيات الاستثنائية باعتبارها ضرورية لمرحلة الانتقال في سوريا — رغم أنها، في الواقع، تمهد الطريق لقيام ديكتاتورية جديدة بدلاً من انتقال ديمقراطي.
كما عزّز سيطرته على السلطة القضائية بمنح نفسه الحق الحصري في تعيين جميع أعضاء المحكمة الدستورية العليا السبعة، من دون أي رقابة برلمانية أو مؤسسية، وهو ما يقضي فعلياً على أي آلية تضمن استقلال القضاء. أما في قطاع التعليم، فالصورة أكثر إثارة للقلق؛ إذ فُرض الفصل بين الجنسين في المدارس، فيما تواصل الحكومة بناء المساجد وتكريس التعليم الديني بدلاً من الفصول الدراسية والمختبرات. ومع تعيين الموالين في مختلف مؤسسات الدولة – بما في ذلك النقابات المهنية والاتحادات مثل اتحاد الكتّاب واتحاد الصحفيين- تمضي السلطات الانتقالية بثبات نحو إحكام قبضتها على جميع أجهزة الدولة.
لكن التحول الأخطر الذي تسبب فيه صعود زعيم سني ذي خلفية جهادية بعد عقود من حكم الأقليات، هو انجرار آلاف السنّة المحافظين وراء حلم إقامة خلافة جديدة على غرار الدولة الأموية؛ وهي نظام حكم وراثي تظل فيه السلطة محصورة داخل عائلة حاكمة، يقوم على مركزية قوية وقيادة عربية ونمط حكم إمبراطوري. مما أدى إلى اندفاعات دينية متصاعدة دفعت بالكثيرين نحو تبني أيديولوجيات سلفية متشددة – وهي تفسيرات صارمة للإسلام تتجاوز السلفية التقليدية وتروج لعقائد متشددة بل لعدم التسامح وأحياناً لاستخدام العنف بغية فرض رؤيتها – الأمر الذي أدى إلى تهميش الأصوات العلمانية ونشطاء المجتمع المدني.
لقد ساعد وصول هيئة تحرير الشام إلى السلطة في دفع المجتمع السوري خلال عام واحد فقط، كي ينتقل من حالة اعتدال نسبي إلى حالة من التشدد الديني المتزايد، وهو مسار مقلق يهدد بإشعال جولات جديدة من العنف الطائفي والمجتمعي.




