النساء الكاتبات في الخطوط الأمامية للحرية

Women Writers on the Frontlines of Freedom
النساء الكاتبات في الخطوط الأمامية للحرية

شاركت لجنة الكاتبات في مركز القلم السوري -Pen Syria في المؤتمر الذي نظّمته لجنة الكاتبات فيPEN International تحت عنوان Women Writers on the Frontlines of Freedom النساء الكاتبات في الخطوط الأمامية للحرية، الذي عُقد عبر الانترنت يوم 20 آذار/مارس 2026.
برز الطابع السياسي في نقاشات المؤتمر، من خلال ربط الأدب بالبنى السلطوية في جميع أنحاء العالم، حيث تتراجع الحريات في كل مكان. وكان الحضور الدولي متنوعاً جداً، بمشاركة 68 كاتبة وكاتب من أكثر من 50 مركزاً من مراكز PEN حول العالم، وهذا يشجع على إنتاج مساحات تضامن عالمية فعلية، وخلق مجتمع وبيئة تضامن لمواجهة الفضاءات التي تهمين عليها بعض الجهات ويُهمَّش فيها الآخرون، حول العالم.
ركّز المؤتمر على واقع النساء الكاتبات والصحفيات في سياقات النزاع والقمع، والعلاقة البنيوية بين حرية النساء وواقع الديمقراطية. وشهدت الجلسة الافتتاحية تقليد “الكرسي الفارغ”، أحد أبرز رموزPEN International، حيث يُترك كرسي شاغر تكريماً للكتّاب والكاتبات الذين مُنعوا من الحضور بسبب السجن أو النفي أو الاضطهاد، وقد خُصِّص هذا العام للناشطة والكاتبة الإيرانية نرجس محمدي، إلى جانب نساء أخريات يتعرضن للسجن أو الاضطهاد أو النفي.
أكدت مداخلات الحضور أن حرية النساء في التعبير ليست قضية تخص النساء فحسب، وإنما مؤشر حاسم على طبيعة النظام السياسي، لأن قدرة النساء على الكتابة والتنظيم والعمل بحرية تعكس وجود مؤسسات ديمقراطية حقيقية، بينما يشير تقييد أصواتهن إلى تآكل الحريات العامة، بما في ذلك الإعلام والقضاء والتمثيل السياسي. بالتالي، يكون التعامل مع قضية الكاتبات بوصفها مدخلاً لتحليل بنية السلطة، وليست قضية حقوق ثقافية فقط.

“زجاجات الدموع”

ومن الأفكار الابداعية التي عُرضت في المؤتمر فيديو بعنوان “زجاجات للدموع” “Botellas para las lágrimas” عن معرض يحوّل الألم والذاكرة والمقاومة إلى فن، ويقوم على فكرة رمزية قوية هي أن كل “زجاجة” تمثل دمعة محفوظة وكل دمعة ترمز إلى شخص جرى إسكات صوته، وتحديداً كاتبات وكتّاب وصحفيين تعرّضوا للسجن، أو النفي، أو قٌتِلوا بسبب كلماتهم. هذا العمل الفني المميز هو للفنانة والكاتبة Jennifer Clement وهي رئيسة سابقة لـPEN International ، وعضوة PEN Mexico .
ويمكن الاطلاع على مقتطفات منه على صفحتهم على الفيسبوك، عبر الرابط:
https://www.facebook.com/MuseoMemoriayTolerancia/videos/botellas-para-las-l%C3%A1grimas-es-una-exposici%C3%B3n-que-transforma-el-dolor-la-memoria-/1412875193044848/

الإسكات بوصفه منظومة متكاملة

تناولت إحدة الزميلات من PEN China واقع الكاتبات والكتّاب في الصين في ظل منظومة رقابة ممنهجة، مشيرة إلى أن القمع لا يقتصر على المنع المباشر، بل يمتد ليشمل: التضييق على النشر، والإقصاء من الفضاء الثقافي، فرض حدود غير معلنة على ما يمكن قوله أو تداوله. كما ربطت المداخلة بين الرقابة السياسية ونتائجها الثقافية، موضحةً أن هذه السياسات تؤدي إلى إنتاج أشكال من “النفي الداخلي”، حيث يُدفع الكتّاب إلى التراجع أو الصمت دون الحاجة إلى أدوات قمع مباشرة. لا يتم الإسكات فقط عبر المنع المباشر، بل عبر منظومة متشابكة تشمل الرقابة الذاتية، الضغط المجتمعي، الإقصاء من النشر، والتهميش المؤسساتي، لذلك فإن الصمت هو نتاج بنية ضغط، وليس تعبيراً عن غياب الرغبة في الكلام. كذلك جرى تفكيك النفي بوصفه حالة مركبة، فهو لم يعد جغرافياً فقط، وإنما يمتد إلى نفي ثقافي (إقصاء من السردية)، ومهني (حرمان من النشر والعمل) ، واجتماعي (العزلة والوصم).

صحافة الطوارئ

ضمن جلسة “الصحفيات في الخطوط الأمامية” “Women Journalists and Storytellers on the Frontlines”، نوقش موضوع “الصحافة كخدمة الطوارئ الرابعة”، والدور الحيوي للصحفيات في مناطق النزاع باعتبار الصحافة خدمة طارئة رابعة بعد الخدمات الإنسانية التقليدية. واشتمل الجلسة على فقرة عن الكاتبة Martha Gellhorn، التي حذرت مبكراً من سلطة الأنظمة الاستبدادية والحروب، موضحة دور الصحافة النسائية في التوثيق والمقاومة في أوقات الطوارئ.

تأثير الصدمات الشخصية على التعبير الأدبي والدعم النفسي

خُصّصت إحدى جلسات المؤتمر للحديث عن أثر الصدمات الشخصية على التعبير الأدبي، وتأثير تجارب العنف، النزوح، أو الإقصاء على قدرة الكاتبة على الكتابة، اختيار المواضيع، الأسلوب، وحتى الصمت الاختياري. وشدد الحضور على ضرورة الدعم النفسي للكاتبات، لا سيما المعرضات للضغط أو القمع أو اللواتي يعشن في مناطق النزاع. واقتُرحت فكرة إنشاء مجموعات دعم نفسية، توفر مساحات آمنة للحوار، مشاركة التجارب، وتمكين الكاتبات من معالجة الصدمات الشخصية والتعبير عنها بشكل متحرر، ضمن شبكة دعم عالمية، بحيث تكمل هذه المبادرة أهداف المؤتمر في كسر العزلة، تعزيز التضامن، وتمكين الكاتبات نفسياً ومهنياً، في إطار التضامن العملي الذي شدّد عليه المؤتمر، إذ لم يُطرح كقيمة أخلاقية فقط، وإنما أداة عمل، تتطلب شبكات دعم عابرة للحدود، آليات نشر بديلة، تدخلات عملية (قانونية، مالية، إعلامية).

تسييس الجسد والهوية

ناقش المؤتمر، كيف يتم توظيف قضايا النساء والعابرين جنسياً ضمن استراتيجيات سياسية محافظة، عبر تضخيم الحالات الأكثر إثارة للجدل في تجارب العابرين جنسياً والتركيز عليها، والعمل على إلغاء فئة من المجتمع وعدم تعريف المجتمع بها. في المقابل يُهمّش واقع العنف الممنهج ضد العابرين جنسياً، ويُنتج خطاب قائم على “الذعر الأخلاقي” بدل النقاش الحقوقي، وهو ما يعكس انتقال الصراع السياسي إلى السيطرة على الجسد والسردية، و ينعكس مباشرة على حرية الكتابة.

مداخلات عضوات PEN Syria

قدمت الزميلة نهى عسكر مداخلة عن حالة الرقابة الذاتية والمجتمعية والسياسية التي تعيشها الكاتبات السوريات داخل سوريا وخارجها، الأمر الذي لم يصبح أفضل بعد سقوط نظام الأسد. لازالت الكاتبات تبحث عن مناورات احترازية لإيصال الكلمة. فالكاتبات، وتحديداً من أصول كردية وعلوية ودرزية ومسيحية، يتعرضن لضغوط لإسكاتهن وتحييدهن وتهميشهن.

واقترحت الزميلة بتول أبوعلي في مداخلتها إنشاء برامج إرشاد تربط الكاتبات المعرّضات للخطر بكاتبات ذوات خبرة في مناطق أخرى من العالم، لتوفير الدعم المهني والمعنوي، وكسر الشعور بالعزلة، والمساعدة على إيصال أصواتهن. واقترحت إنشاء “صندوق طوارئ سريع الاستجابة” للكاتبات، صندوق مالي يسهل الوصول إليه (من دون بيروقراطية) يسمح للكاتبة بتغطية تكاليف عاجلة مثل: الانتقال إلى مكان آمن، أو الرسوم القانونية، أو توفير وقت للكتابة ومتابعة العمل.

وتحدّثت الزميلة علياء أمينة أحمد رئيسة لجنة الكاتبات في القلم السوري على الصمت القسري/ الإختياري، والكتب التي لم يتم حظرها، وإنما التي لم يتجرأ كثيرون على نقل تجاربهم فيها، خاصة النساء اللواتي يواجهن هيمنة عالمية، نلحظ أثرها في تراجع حضور النساء في الفضاء العام. وأشارت إلى وجود ضغط منهجي لإعادتهن إلى أدوار نمطية، واختفاء تدريجي للأصوات النسائية في سوريا، مؤكّدةً على الحاجة إلى منصات بديلة، شبكات دعم وفضاءات آمنة تخلقها النساء، وتعترف بإنتاجهن وإبداعاتهن.

دلالات خاصة بالسياق السوري

تؤكّد لجنة الكاتبات في مركز القلم السوري أهمّية هذه المشاركة بوصفها جزءاً من قوة التضامن عبر الحدود، فعندما تشارك الكاتبات من مناطق النزاع والمنفى والمجتمعات المهمشة تجاربهن، لا تبنى فقط شبكات دعم، بل قوة جماعية تقاوم العزلة والخوف، وهذه المشاركة تعزّز إدراك الكاتبات السوريات أنّهن جزء من حراك عالمي هو خطوة نحو التعافي، يضاف إليها الاستماع إلى تجارب قد تبدو صدى لتجاربهنّ، بتشابه أدواتها أو خيبتها أو نقاط قوتها. وهنا تبدو الكتابة فعل مقاومة حتمي، مجدي وضروري، لأنه فن تواصل مع الذات والآخر، فعل تلاقي حتى لو كان في فضاء افتراضي. وستواصل اللجنة مشاركتها في مختلف المبادرات والمشاريع التي نوقشت في المؤتمر، كما ستعمل على نقل التجربة إلى السياق السوري، من خلال السعي إلى تنظيم مؤتمر جامع للكاتبات السوريات، انطلاقاً من الحاجة الملحّة لبناء أدوات مستقلة تدعم الكاتبات، وللتأكيد أن تجربتهن لا تنفصل عن حراك عالمي.
كان من دواعي الفخر أن جوديث هال رئيسة لجنة الكاتبات في PEN International، اختتمت المؤتمر باقتباس من البيان الذي أصدرته لجنتنا في يوم المرأة العالمي، حيث أشادت بشجاعة البيان وما تضمّنه من أفكار، وقالت في كلمتها “كما ذكر بيان PEN Syria ” «“ أن الكلمة النسائية ركيزة لا غنى عنها في أي مشروع للحرية والعدالة، لا هامشاً يمكن الاستغناء عنه. وسنظل نقف إلى جانب كل كاتبة اختارت أن تقول ‘لا’ للخوف، و‘نعم’ للحق في الكلام.”»

إعداد لجنة الكاتبات في Pen Syria